ابن الجوزي
290
زاد المسير في علم التفسير
وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود " 26 " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق " 27 " ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير " 28 " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق " 29 " قوله تعالى : * ( وإذ بوأنا ) * قال ابن عباس : جعلنا . وقال مقاتل : دللناه عليه ، وقال ثعلب : وإنما أدخل اللام ، على أن " بوأنا " في معنى : جعلنا ، فيكون بمعنى " ردف لكم " أي : ردفكم . وقد شرحنا كيفية بناء البيت في [ سورة ] البقرة . قوله تعالى : * ( أن لا تشرك بي شيئا ) * المعنى : وأوحينا إليه ذلك * ( وطهر بيتي ) * حرك هذه الياء ، نافع وحفص عن عاصم . وقد شرحنا الآية في البقرة . وفي المراد ب " القائمين " قولان : أحدهما : القائمون في الصلاة ، قاله عطاء ، والجمهور . والثاني : المقيمون بمكة ، حكي عن قتادة . قوله تعالى : * ( وأذن في الناس بالحج ) * قال المفسرون : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت ، أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج ، فقال إبراهيم : يا رب ، وما يبلغ صوتي ؟ قال : أذن ، وعلي البلاغ ، فعلا على جبل أبي قبيس ، وقال : يا أيها الناس : إن ربكم قد بنى بيتا ، فحجوه ، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله أن يحج ، فأجابوه : لبيك اللهم لبيك . والأذان بمعنى النداء والإعلام ، والمأمور بهذا الأذان ، إبراهيم في قول الجمهور ، إلا ما روي عن الحسن أنه قال : المأمور به محمد صلى الله عليه وسلم والناس ها هنا : اسم يعم جميع بني آدم عند الجمهور ، إلا ما روى العوفي عن ابن عباس أنه قال : عنى بالناس أهل القبلة . واعلم أن من أتى البيت الذي دعا إليه إبراهيم ، فكأنه قد أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه . وواحد الرجال هاهنا : راجل ، مثل صاحب ، وصحاب ، والمعنى : يأتوك مشاة . وقد روي أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين ، وحج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة ، والنجائب تقاد معه ، وحج الإمام أحمد ماشيا مرتين أو ثلاثا .